امروز : چهارشنبه 23 آبان 1397




السيّد دريد الموسوي المجاب

دورُ الإرادة في المسؤولية الجنائية بالنّظر إلی النظام التشريعي الإيراني  

الملخّص

إنّ أصل المسؤولية مسلّم بالإجماع، و ليس القانون كلّه إلا تجسيداً للمسؤولية و تنظيماً لأحكامها. و البحث في المسؤولية، بالأخص بوصفها الجنائي، من أدقّ و أهمّ البحوث القانونية و أشقّها. و أعقد ما في المسؤولية الجنائية و وجه الصعوبة في تحديد أساسها، هو ارتباطه الوثيق بقضية الإرادة و الحرية التي في حقيقتها هي جوهرة الإنسانية و الأهلية الجنائية؛ هذه القضية، هي قضية شائكة لم تشغل رجال القانون وحدهم، بل شغلت كثيراً من الناس قبلهم.

إنّنا نعتقد بأن المسؤولية هي العمود الفقري في النظام القانوني كلّه و واسطة العقد و همزة الوصل بين القانون و العلوم الإجتماعية الأخری؛ و تعتبر بهذه الصفة، الممّر الذي تعبر من خلاله المذاهب الفلسفية و الإجتماعية إلی القانون الجنائي بنوع خاص.

و أساس المسؤولية الجنائية يرتبط ارتباطاً مباشراً و لازماً بمشكلة الحرية، و بدور الإرادة الإنسانية في صنع القرار الصادر عن كل فرد، و الدراسة هنا فلسفية بالدرجة الأولی؛ لأنها تتعلق بالجبر و الاختيار و هي من أمهات الأفكار الفلسفية و من أكثرها إثارة للمتاعب.

أما الإرادة الكامنة في النفس، فهي عمل نفسي ينعقد به العزم على شىء معيّن. و يقرّر علماء القانون _ كمّا يقرّر علماء النفس _ أن الإرادة يسبقها عملان تحضيريان و يليها عمل تنفيذي؛ فأول مرحلة هي أتجاه الفكر إلى أمر معيّن، و هذا هو الإدراك. ثمّ يلي ذلك، مرحلة التدبّر؛ فيزن الشخص الأمر و يتدبّره. ثمّ تأتي المرحلة الثالثة و هي إمضاء العزيمة في هذا الأمر؛ فإذا إنعقدت، لم يبق بعد ذلك إلاّ مرحلة رابعة و هي مرحلة التنفيذ. و هذه المرحلة الأخيرة هي عمل خارجي، أما المراحل الثلاث الأولی، فهي مراحل داخلية نفسية: إثنتان منها ترجعان إلى التفكير و الثالثة هي الإرادة المقصودة.

و معنا هذا الموضوع، أنّ الإرادة بطبيعتها تتشكل من عناصر مختلفة و تمرّ على مراحل متميّزة؛ و على هذا الأساس، يقتضي الملاحظة أنّ العوامل التي تفسد الإرادة يمكن أن تقع في إحدى مراحل تكوّن الفعل الإرادي؛ فإما أنها تقع على الإدراك فتعدمه أو تشوّشه و إما تقع على التدبّر فتفسده أو تعطّله و إما على القرار فتجرّده من مقوّماته السليمة و إما على التنفيذ فتجرّده من دوافعه أو تزوده بدوافع وهمية أو غير سليمة.

في هذا المجال، نحن نحاول أن نبيّن مفهوم الإرادة و دورُها الأساسي في الأهلية الجنائيه و تبعاً لها في المسؤولية الجنائيه، إستناداً إلى الآراء الحقوقية و المصادر القانونية.

 

الكلمات الرئيسيّة: الإرادة، النظام القانوني، الأهلية الجنائية، المسؤولية الجنائية.

1. مقدّمة

إنّ كل مجتمع سواء كان هذا المجتمع صغيراً، متخلفاً أم متقدّماً، فقيراً أم غنياً، يحتاجُ إلى قوانين و أنظمة لتنظيم العلاقات بين الأفراد؛ لأن كلّ مجتمع ينشأ من أفراد مختلفين و متفاوتين، و بما أن هؤلاء الأفراد متشابهين ظاهرياً في بنائهم البدني و الجسدي، فهم كذلك مشتركين في الرغبات و الميول الباطنية و هذا الإشتراك في الميول و الرغبات يقرّبهم من بعضهم ليتعاونوا في الوصول إلى هذه الأهداف و الرغبات من ناحية، ولكنّه من ناحيةٍ أخرى يؤدي أحياناً إلى الإصطدام فيما بينهم، و بالتالي فانّه من الضّروري وجود قوانين و أنظمة لتجنّب مثل هذا الإصطدام.

إنّ كلّ العلماء، بغضّ النّظر عن أفكارهم و وجهات نظرهم الخاصة، متّفقون على لزوم و ضرورة وجود القوانين و الأنظمة؛ لأنّه لا يمكن وجود مجتمع و مدينة فاضلة بدون قوانين و أنظمة. و فكرة القانون، ترادف المسؤولية و الجزاء؛ بالحقيقة، إنّ لزوم الحياة مع الآخرين و التّعايش معهم قد يؤدي أحياناً إلى نشوء نزاعٍ و خصومةٍ بين الأفراد لأجل منفعةٍ ما، و هذه الخصومة كانت قد ظهرت منذ ظهور البشر؛ فلتجنّب مثل هذه الإصطدامات، و لتحقيق العدالة في الذين يتغاضون عن حقوق و حياة الآخرين، أصبح وجود القانون أمراً ضرورياً و حتمياً (محسني، 1977م.:2-1). أما المهم، تبيين الحدود للمسؤولية الجنائية[2] و ترسيم خطوطها - تبعاً لإثبات الأهلية الجنائية[3] - بشکل قانونيّ؛ فهنا يبرز دور الإرادة[4] و مؤلفاتها الأساسية بوضوح.

بالحقيقة، إنّ المسؤولية من لوازم الحياة الإنسانية نفسها، فحيثما كان الإنسان، كانت مسؤوليته؛ لأنّه دائماً طرف في علاقته، سواء مع نفسه أو مع غيره أو مع ربّه و هذا يعني أنّه مسؤول في كلّ حالٍ. و البحث فی المسؤولية الجنائية من اهمّ البحوث القانونية و أعوصها؛ لأن المسؤولية ليست مشكلة قانونية بقدر ما هي مشكلة إنسانية، و هي مشكلة عامة في الزمان و في المكان و علی صعيد الفكر الإنساني بكلّ صوره و ألوانه. فالبحث فيها ليس وليد عصر و لا شعب و لا دين و لا فكر بعينه؛ و إنما البحث فيها كان - و لايزال - شغل الإنسان منذ كان الإنسان و أيا ما كان فرع تخصصّه، بل أيا ما كان قدر ثقافته. و من هنا تظهر الصعوبة في تناول الموضوع.

من المسلّم فی الفقه الجزائي أنّ المسؤولية الجزائية لا ترتبط إلا بالإنسان؛ امّا الجمادات و الکائنات الحية الأخری فلا جدال في خروجها من نطاق المسؤولية الجزائية، علی خلاف ما کانت تجري عليه بعض التشريعات القديمة (رزق، 1998: 152). تجد هذه القاعدة تبريرها في أنّ الإنسان يملک وحده دون غيره من الموجودات تلک الإرادة التي تقف وراء الفعل و التي تعطيه الصفة الجرمية من جهة و أنّه هو وحده من ناحية أخری الذي يملک القدرة علی الإستجابة لأهداف المجتمع من تطبيق الجزاء الجنائي و عدم العود بالتالي إلی الجريمة مرّة أخری (أبوعامر، 1992: 146).

المسؤولية الأدبية أو الأخلاقية، كإتجاه سائد في الفقه، يقيم المسؤولية على حرية الإرادة؛ هذه المسؤولية تعني أن الإنسان خالق أفعاله و أنه كان و هو يفعل في حالة من الحرية، تسمح له بالفعل أو التّرك، فالمسؤولية بهذا المعني تعني إنتساب الفعل إلى الفاعل، من حيث هو صاحب القرار و مالك القدرة على الفعل أو ضده. و الحرية بهذا المعني، هي الشرط الأول، لكل فعلٍ أخلاقي، أو لكل فعل إنسان مسؤول (إمام، 1991م.: 156). هذا و قد أنكر الحتميون حرية الإنسان على هذا النحو، و وجدوا أنصاراً لهم منذ أقدم العصور الفلسفية؛ كما أنّ الحتمية في المجال الجنائي، إستولت موجة الإيمان بها على كلّ فروع المعرفة في القرن التاسع عشر الميلادي، و بدأ البحث عن أسباب الظاهرة الإجرامية في ضوء الإعتقاد بالحتمية، و هو اعتقاد يجعل السلوك الإجرامي ذا سبب باعتبار أن تلك الحتمية كمسلّمة افتراضية معناها وجود أسباب و علل وراء كلّ الظواهر الطبيعية و الإجتماعية و النفسية، و من هذا المنطق كان البحث وراء أسباب الإجرام و لم تكن المدارس الوضعية في الفكر الجنائي إلا صدی للحتمية في المجال غير الجنائي. في هذا الإرتباط، بدأ «شيزار لومبروزو»[5]_ الذّي قيل عنه إنّه أبو علم الإجرام الحديث، و تابعيه أيضاً، بالأخص «إنريكو فرّى»[6] و هو الرجل الثاني في المدرسة الوضعية الإيطالية -جهوده مبكراً بالهجوم على مبدأ حرية الإرادة (باهري، 19م.: 75-76).إنّ أهمّ ما يعنينا في أفكار المدارس الوضعية - من جهة نظر المسؤولية - أنها طرحت مبدأ «حرية الإرادة» معلنة في صراحة حتمية السلوك الإجرامي، «و مبدأ الحتمية في تحليل أسباب الظاهرة الإجرامية» خصيب في نتائجه، فإذا كان المجرم منقادًا إلي الجريمة، فلا وجه لأسباغ اللوم على مسلكه و لا محل لإسناد المسؤولية إلى أسس أخلاقية، و إنما يسأل مسؤولية إجتماعية باعتباره مصدر خطورة إجرامية على المجتمع و يتفرّع من ذلك أمران:

أولهما: أن يتجرّد التدبير الذي يتخذ قبله من كلّ معاني اللوم و الجزاء، ليغدو مجرّد وسيلة دفاع إجتماعي بهدف توقي الخطورة الإجرامية، أى مجرّد تدبير إحترازي قبلها.

ثانيهما: ألا يكون «لموانع المسؤولية» محل، فكلّ مجرم – ولوكان مجنوناً – هو مصدر خطورة و لا بدّ من تدبير يتخذ في مواجهتها[7] (نجيب حسني، 1973م.: 72).

على أيّ حالٍ، المسؤولية الأدبية كما قلنا، فكرة سائدة في الفقه و أساسها الإرادة الحرة و مناطها الإنسان القادر على الفعل؛ فالمسئوولية الجنائية هي مسئوولية أخلاقية. الإرادة الحرة مع مؤلفاتها الضرورية، هي لا تزال الفكرة الأساسية التي تقوم عليها كافة القوانين الجنائية الحديثة و المعاصرة.

 2. بحث و دراسة

قبل البدء في الحديث عن الأرادة و دورُها في المسؤولية الجنائيه - كإحدي أهم مفردات الفكر الفلسفي - ينبغي أن نعرّفها. فإنّ هذه القضية الفكرية و القانونية رغم وضوحها، تحتوي جانباً من الغموض في التحليل و المفهوم الحقيقي.

و كم تحدّث الإنسان عن الإرادة. فقد كتب الفلاسفة و المفكّرون و علماء العقيدة و العرفان و الآيديولوجيون آراء و نظريات متعددة عنها؛ كما بحث علماء النفس و القانون – و حتى الأدباء و الشعراء – عن الإرادة، كلّ من زاوية إهتمامه، و بنمط خطابه و مصطلحه من زمنٍ طويل. لهذا ينبغي أن نذكّر بأنّ مصطلح الإرادة، مصطلح له مفاهيم و تعابير متعددة و لهذا نرى أحياناً الفاظ متشابهة – كالإختيار و القصد – تُستخدم بدلها.

من ناحية التأريخى، منذ بداية الفكر الفلسفي لدى الإنسان و منذ عصور الفكر اليوناني المتقدم، حاول الفلاسفة و المفكّرون تفسير الفعل الصادر عن الإنسان و تحليل العلاقة بينه و بين ما يصدر عنه من فعل للإجابة على السؤال القائم في هذه المسألة و هو هل الإنسان حرٌّ، يصنع ما يصدر عنه من فعل بإرادة و هو يستطيع أن لايفعل؟

أم إنّ القسريه و الجبرية هي الحاكمة، و هو يتحرّك ضمن وضع قدري مفروض عليه مسبقاً، و بذا فهو مجبر بمقتضى تلك القدرية، و لا يملك الإرادة، فهو لا يستطيع أن يفعل و أن يترك بمحض ارادته، بل هو مجبر مقهور، و إن بدا في ظاهر ممارساته إنّه هو الذي يريد. و انتهی الجدل و التفسير في هذه القضية إلى عدّة آراء رئيسية هي:

1. رأي يذهب إلى أن الإنسان يملك الحريه الذاتية، و لكنه يخضع للجبرية، لأنّ مقدّمات الأشياء تحصل بشكل قهري، فتنتج الفعل بصورة جبرية.

2. رأي يذهب إلى أن الإنسان لا يملك الحرية الذاتية، و هو مجبر مقهور علی أیّ حال.

3 رأي يذهب إلى أن الإنسان حرّ، لا سلطان و لا قوّة بقادرة على منعه من تقرير الموقف و الإرادة الذاتيه، فهو مطلق الإرادة.

4. رأي يذهب إلى أنّ الإنسان ليس بفاعل، و أنّ الإنسان له دور الكسب. و فسّر الكسب بأنّه الإقتران الزماني بين قدرة الإنسان و الفعل الحاصل، و أنّ القدرة الحادثة هي من فعل الله تعالى و بالتالي فإنّ الفعل لله، و ليس للإنسان.

5. رأي يذهب إلى القول بالأمر بين الأمرين[8]؛ فالإنسان حرٌّ مريد، و لكن هذه الإرادة و تلك الحرية ليست منفصلة عن تأثير الإرادة الإلهية. و هذا التأثير لايصل حدّ الجبرية، لأنّ امتلاك الإنسان الإرادة شرط أساسي من شروط المسؤولية، و هي أيضا نتيجة طبيعة لاتصاف الله بالعدل.

   أما رأي السائد بين العلماء القانون و في ساحة المسؤولية الجنائية - بغضّ النظر عن الآراء الفلسفية المختلفة - يبتني على تصديق الإرادة الحرّة و مؤلفاتها. و إنّه من البديهي أنّ الإرادة هي صنيعة الظروف و المقدّمات السببيّه و كما يقول «كانت»[9] - من مفكّري الغرب - الإرادة «تُسبّب عن سلسلة من الأسباب» (لجـنة التأليف، 2002م.:35 -34). ألبتة، الحديث عن المقدّمات و الأسباب المذكورة، تختلف من ناحية التعابير المستفادة؛ أمّا المهم هو التأكيد على هذه المقدّمات. على سبيل المثال يقول صاحب كتاب آراء أهل المدينة الفاضلة: «عندما تحصل المعقولات الأولى للإنسان، يحدث له بالطبع تأمل و رؤية و ذكر و تشوق إلى الإستنباط، و نزوع إلى بعض ما عقده و شوق إليه و إلى بعض ما يستنبطه، أو كراهته. والنزوع إلى ما أدركه بالجملة هو الإرادة. فإن كان ذلك عن إحساس أو تخيل، سمّي بالإسم العام و هو الإرادة...» (الفارابي، 1421 هـ.: 52). بعض الفلاسفة يحكون عن التصوّر، التصديق أو تعابير أخرى كالشوق و الشوق المؤكّد أو إشتداد الميل إلى موضوع خاص و غيره في هذا الإرتباط (حسن­زاده الآملي، 2001م.: 14-13).

   أمّا - من وجهة نظرنا - علماء القانون الجنائي باعتبار أن الإرادة ترتبط بأبحاث و معان فلسفية، لن يهتمّوا بتحليلها النّفساني؛ «بكلام آخَر، علماء القانون يحكون عادتاً عن آثار الإرادة، و بالظاهر يعتقدون أنّ البحث حول كيفيّة تکوينها و الأدلة اللفظية التي ترتبط بها لن تنفع حينما نحكي عنها» (كاتوزيان، 2004م.: 213). هذا و أنَّ المشاكل النظرية و القانونية حول مسألة الإرادة في الحقيقة، تنشأ من ناحية عدم الإهتمام بالموضوع بشكل دقيق كما قلنا.

بناءً على هذا، فانّه من الضروريّ أن نبيّن معنا الإرادة في الّلغة و في الإصطلاح؛ ثمّ نتعرّض إلى مراحل التكوين و سير ايجادها من منظر الفقه الجزائي، قبل أن نبحث حول آثارها في المسؤولية الجنائية.

الإرادة، أصلها «رَوَدَ»؛ هذه اللفظة مصدرٌ ثلاثي مزيد و متعدٍّ على وزن الإفعال الذي تغيّر بعد الإعلال على هذه الصورة. و قد وردت لفظة الإرادة في معاجم الألفاظ و القواميس بهذه المعاني: «الطلب، الميل، الرغبة، الحزم، التصميم و المشيئة» (البعلبكي، 1983م.: في معناها). أيضاً هي في اللّغة، بمعنى القـدرة الواعية و الإقدام الذّي يبتني على التدبّر و التقديـر(Henry Campbell, 1990: 1598). و قيل، الحقّ أن الإرادة ترجيح أحد مقدورية على الآخر و تخصيصه بوجهٍ دون وجه، أو معنى يوجب هذا الترجيح. و هي أعمّ من الإختيار؛ فإنه ميل مع تفضيل؛ أى تفضيل أحد الطرفين على الآخر، كأن المختار ينظر إلى الطرفين. قيل الإختيار في اللّغة ترجيح الشيء و تخصيصه و تقديمه على غيره و هو أخصّ من الإرادة. نعم، قد يستعمل المتكلمون الإختيار بمعنى الإرادة أيضاً حيث يقولون إنّه فاعل بالإختيار (دهخدا، 1999م.، المجلّد الثاني: 1625)؛ أمّا في الحقيقة، الإختيار، أمر يعقب الإرادة حيث إنّه إصطفاء الأمر بين الأمرين أو الأمور[10]. في بعض معاجم المصطلحات القانونية يقال أنها «من اللاّتينية "Volontas"الملکة في أن يشاء المرء؛ الجدارة الواقعية في أن يفهم مدی عمل (الضمير) و في أن يصمّم، و ذلک شرط لصحة العمل القانوني أو شرط للتبعة الجرمية أو التعاقدية، تتميّز الإرادة، و هي مسألة واقعية تُقدّر حالة عن حالة، عن الأهلية التي هي جدارة قانونية و تتميّز الإرادة (عنصر طبيعي)، في شأن التبعة، عن النية[11]: إرادة متّجهة نحو هدف (کورنو، 1998م.: 113).

في الإصطلاح الفلسفي، «إرادة المخلوق هي قوة نفسانية تميل نحو الإستعمال عن سانحة أمالت إلى ذلك» (الكندي، 1369 هـ.ق.: 175). و لها المعني في المجال الجنائي إذ يراد بها «المقدرة على تقرير شيء أو القيام بفعل معيّن. و هي نتيجة عمل القوى العقلية لدى الإنسان المؤهلة له للإدراك و التصرف انطلاقاً من فكرة معينّة تكونت لديه نتيجة لسياق ذهني واعٍ و ملمّ بعناصر و مواصفات هذه الفكرة» (العوجي، 1985.: 50-49).

لهذا، فإنّ الشرط الجوهري في الأهلية الجنائية و تبعاً لها المسؤوليه الجنائية يبتني على ضرورة أن يكون الفعل المنسوب إلى المتهم قد تمّ طواعية[12]. و يعدّ الفعل غير ارادي إذا لم يكن نتيجة لممارسة المتهم لإرادته. و بعبارة أخرى، يتعيّن أن يكون فعل المتهم - كحركة عضلية – طواعية، فلهذا يجب أن يكون تعبيراً إراديا.

و على هذا، إذا أجبر شخص على إتيان فعل بسبب قوة مادية خارجية، فإن الفعل يعدّ إكراهاً مما لا يمكن نسبته إليه أو جعله محلاً للمسؤولية الجنائية. فعلى سبيل المثال، إذا أكره شخص على طعن آخر بسبب من ممارسة قوة مادية خارقة على يده، فان الطعنة لا تكون من فعله و إنما من فعل ذلك الذي دفعه إليها و بنفس القدر إذا هوجم شخص أثناء قيادته لسيارته من قبل سرب من النحل و أعجزه ذلك من السيطرة على السيارة، فقد يقال أنّه لا يعد سائقا ً.(Edwards, 1958: 379-380)و هذا ما ذكره «اللورد جو دارْد»[13]- رئيس القضاء - عن شخص إتهم بالقيادة الخطرة: «لو أن شخصاً أصيب بجلطة أو صرع و هما مما يمكن أن يطلق عليهما القضاء و القدر فقد يكون أثناء ذلك على مقعد السائق بل و واضعاً يديه على عجلة القيادة إلا أنه يكون في مثل هذه الحالة من الغيبوبة بما يصعب معه القول بأنه مازال يقود السيارة».(Kenny, 1966: 29)

و كذلك لا يمكن إعتبار الشخص جانياً إذا أتى فعله الذي يشكل الركن المادي للجريمة أثناء نومه، و يقال نفس الشيء عن الحالات التي يرتكب فيها الفعل في السير أثناء النوم، و في حالة ارتجاج المخ، أو صدمة السكرى.

و في جميع هذه الحالات، يحق للمتهم أن يدلل على أن فعله لم يكن طواعية بإثارة دفع اللاّارادة و قد تنشأ الإرادة عن غير سبب التلقائية؛ فعلى سبيل المثال، إذا تعطّلت كابحات السرعة دون خطأ يعزى إلى سائق السيارة مما جعله يعجز عن إفساح الطريق أمام أحد المارة العابرين في خط المشاة فقد قضى بأن ذلك يشكل دفاعاً للسائق. و قُضِي بنفس القدر أنه لا يطلق على الشخص تعبير «سائق» إذا تعطّلت عجلة القيادة تماماً لعيوب ميكانيكية لا علم له بها (محمّد صفوت، 1986م.: 120-119).

ألبتة، ليست كلّ الأفعال اللاّإرادية قادرة على نفي المسؤولية؛ مثال ذلك إذا نشأ الفعل اللاّإرادي عن السكر أو تناول العاقير. ففي قضية براتي ضد النائب العام لإيرلندا الشماليه[14] أشار «اللورد ديننج[15]» إلى أنه إذا كان المتهم على درجةٍ من السكر لا يدرك معها ماهية أفعال فإنّه ينشأ له دفاع عن أي تهمة تتطلب كقصد جنائي قصداً خاصاً أو خفياً دون الجرائم التي لا تتطلب مثل ذلك القصد الخفي (نفس المصدر السابق: 121-120). أمّا إذا شخصٌ أفقد الوعي و الإرادة - كشرطان أساسيان للأهلية الجنائية - و ارتكب جناية مع علمه و عمده السابق على الإقدام بعملٍ يفقد الشرطان، فلا شك في مسؤوليته[16].

في نهاية هذا البحث، يجب أن نذكر أنّ مسألة تصنيف الإرادة ليست محل اتفاق بين الفقهاء؛ فذهب بعضهم إلى اعتبارها جزئاً من الركن المادي للجريمة، فعلی سبيل المثال يفرّق «البروفسير جلانفيل وليمز»[17] بين شروط الإرادة و بين القصد الجنائي. و يعتبر الإرادة کجزء من الرکن المادي للجريمة (Williams, 1961: 152)، بينما يذهب البعض الآخر مثل «تيرنر»[18] إلى اعتبارها جزئاً من الركن المعنوي و يستخدم إصطلاح القصد الجنائي ليشمل کلا من العنصر الذي يجعل السلوک ارادياً و توقع النتيجة. و نلاحظ في نفس الوقت أنه بينما يعتبر الإرادة قصداً جنائياً فإنه يعتبرها عاملاً مفارقاً و عنصراً أکثر أهمية من توقع النتائج (صفوت، 1986: 121). أمّا الحقيقة أنّ الجريمة لا بدّ أن تقوم على ركنين أساسيين: ركن مادي يتمثل في ماديات الجريمة أو المظهر الذي تبرز به إلى العالم الخارجي، و ركن معنوى يتحقق بموقف الإرادة من الفعل المادي، هذا الموقف الذي يتخذ إحدى صورتين: القصد الجرمي، أو الخطأ غير المقصود[19]. و كل من القصد و الخطأ يفترضان القدرة على توجيه الإرادة نحو الركن المادي للجريمة، ولكن ما يميّز بينهما أنّ إتجاه الإرادة إلى غرضٍ معيّنٍ في حالة القصد يكون نحو نتيجة جرمية معينّه، كما لو إنتوى الفاعل قتل شخص فأطلق عليه الرصاص راغباً في إحداث وفاته، أما في حالة الخطأ غير المقصود فيفترض أن الإرادة لم تتجه إلى النتيجة المتحققة، كما لو أطلق الصيّاد النار على طير فأصيب إنسان خطأً. فالهدف الذي إتجهت إليه الإرادة هو إصابة الطير، ولكن حدثت إصابة الشخص خطأً دون إتجاه إرادي إليها (عالية، 1996م.؛ 235- 234). ففي حالة القصد، تتحرك الإرادة باتجاه الفعل و النية كمثال القتل المقصود، أما في حالة الخطأ فتتحرك الإرادة إلى فعل معيّن تنجم عنه نتيجة أخرى عن غير قصد، كمثال الصياد الذي أصاب إنساناً بدلاً من الطير الذي إستهدفه (نجيب حسني، 1974م.: 207).

بالمجموع، قدرة المرء على تصفح صور السلوك الممكنة و انتفاء أفضلها من وجهة نظره أو بتعبيرٍ آخر قدرته على الفعل و الترك، بمعنی الإرادة، هي الشرط الحتمي الذي يجب أن يُثبت قبل أن ينتسب العمل الجنائي إلى شخص.

في المباحث التالية، سنبحث حول محل الإرادة في مجال الفقه الجنائي و بالواقع، في الأهلية الجنائية و سنبيّن أثرها على المسؤولية الجنائية.

3. الإرادة في مجال الفقه الجنائي

كما نعلم، لا يكفي وقوع الفعل المكوّن للـجريمة مادياً و نسبته إلى الفاعل للقول بقيام المسؤولية الجنـائية، بل لا بدّ من توافر شرطين أساسيين.

في الحقيقة، تفترض المسؤولية الجنائية لقيامها ركنين أساسيين: الخطأ و الأهلية. فلا مسؤولية جنائية دون خطأ، كما لا مسؤولية على من ليس أهلاً لتحملها.

يشكل الخطأ الجنائي، و يسمّى أيضاً بالخطأ الجرمي، الركن الأول لقيام المسؤولية الجنائية. فالمسؤولية تفترض وقوع جرم بخطأ من فاعل هذا الجرم لا بفعل حادث خارج عن إرادته يمكن أن يُنسب إلی أي مصدر آخر غير هذا الفاعل بالذات. فالوفاة يمكن أن تحصل بفعل شخص أراد إحداثها لدى الغير كما يمكن أن تحصل بفعل حادث طبيعي حلّ بالمتوفّى دون أن يكون لأي شخص دخل في إحداثه. و الخطأ الذي يحدث نتيجة لإتجاه إرادة الفاعل نحو ارتكابه و ينصهر بالتالي ضمن مفهوم القصد الجرمي أو النّية الجرمية. أما الخطأ غير الإرادي فهو الذي يحدث نتيجة لإهمال و قلّة احتراز أو عدم مراعاة الأنظمة و القوانين لدى مرتكبه، و يشار إليه عادة بالخطأ الجنائي لتفريقه عن القصد الجرمي. فالجرم يقع إما عن قصد[20] و إما عن خطأ[21]. ولكنّنا نستعمل كلمة الخطأ الجنائي في مجالنا الحالي للدلالة على وجهيّ هذا الخطأ باعتباره الركن الأول في قيام المسؤولية الجنائية التي تنصهر ضمن دراسة الركن المعنوى للجريمة[22] (العوجى، المصدر السابق: 41-39). أما الركن الثاني للمسؤولية الجنائية، الأهلية التّى تبتني على الوعي و الإرادة. ما من شك أنّ الأهليه مناط المسؤولية. المسؤولية عبء لا يقوى أي شخص على حمله، و إنما يحمله من كان أهلاً لذلك. و لهذا فليس بمستبعد عقلاً و لا وضعاً أن يرتكب الجريمة شخص ثم لا يسأل عنها، لأن التلازم غير مطرد بين ارتكاب الجريمة و تحمل مسؤوليتها، أي بين إرتكابها و تحمل العقوبة المقررة لها. و يرجع ذلك إلى أن الأهلية حالة خاصة أو صفة معيّنه في الشخص لا شأن لها بفعله و لا بموقفه النفسي من هذا الفعل. و قد تكتمل عناصر الموقف النفسي لدى شخص مجرد من الأهلية فتقع الجريمة منه، و قد تتخلف بعض هذه العناصر لدى شخص متمتع بالأهلية فلا تقع منه الجريمة (عبدالمنعم و محمّد عوض، 1996م.: 323-322).

علماء الفقه الجنائي يطلقون تعبير الأهلية الجنائية على مجموعة العوامل النفسية اللازم توافرها في الشخص لكى يمكن نسبة الواقعة إليه بصفته فاعلها، و بعبارة أخرى الأهلية الجنائية، هي أهلية الإسناد (إمام، المـصدر السابق: 85-84). لهذا يميل بعض الباحثين إلى التفرقة بين الأهلية و المسؤولية (ميرسعيدي، 2005: 49 و ما بعدها) .

و لا شك أنّ أصحاب التفرقة بين الأهلية و المسؤولية لم يقدموا لنا إلا فوارق لفظية،و قد أخطأوا في تصور أنّ بين الأهلية و المسؤولية - كما صوّروهما- حواجز لا يمكن عبورها. والحق أننا في كلتا الحالتين أمام المسؤوليه، ولكن بالنظر إليها من زاويتين مختلفتين. فالمسؤولية، كما قيل بحق «مفهومان؛ فهي إما مسؤولية بالقوة أو بالفعل، و المفهوم الأول مجرّد، أما الثاني فواقعي، و يراد بالمفهوم الأول، صلاحية الشخص لأن يتحمل تبعة سلوكه، و المسؤولية بهذا المعني «صفة في الشخص أو حالة» تلازمه سواء وقع منه ما يقتضي المسألة أولم يقع منه شيء بعد، أما المفهوم الثاني فيراد منه تحميل الشخص تبعة سلوك صدر منه حقيقة، و المسؤولية بهذا المعني ليست مجرد صفة أو حالة قائمة بالشخص ولكنها فضلاً عن ذلك «جزاء» و المفهوم الثاني يستغرقه الأول - أو يفترضه - بحكم اللزوم العقلي «لأنه لا يتصور تحميل شخص تبعة سلوك أتاه إلا إذا كان أهلاً لتحمل هذه التبعة» (عوض، المصدر السابق: 416-415).

في أي شكل، الأهلية الجنائية قبل توجّه المسؤولية الجنائية أو الجزائية، يجب أن تكون متوفرة لدى فاعل الجرم عندما يكون سليم القوى العقليه مما يسمح له بتقرير ما يفعل بحرية تتمتع بها إرادته مع إمكانيةٍ ذهنيةٍ كافيةٍ تجعله يدرك ما يفعل. و لذلك عند دراسة الأهلية الجنائية يقتضي التوقف عند تحديد الوعي لدى الشخص و من ثمّ تحديد الإرادة الحرة التي نهتمّ بشرحها.

و يراد بالوعي، التمييز و هو قدرة الشخص على فهم ماهية سلوكه و تقدير ما يترتب عليه من نتائج و هذا الفهم ينبغي أن يحيط بالفعل في ذاته - قتل أو سرقة - و بنتائج هذا الفعل الطبيعية - إزهاق روح إنسان أو  الاستيلاء علی مال الغير - و أيضاً القيمة الإجتماعية له من حيث كونه ممنوعاً و ليس مباحاً (نفس المصدر: 39). بكلامٍ آخَر، الوعي عبارة عن وضع ذهني تتجلّى فيه الوظيفة الطبيعية للقوى العقليه بحيث ينبئ بأن هذه القوى تعمل بصورة صحيحة. فاتصال الإنسان مع نفسه و مع العالم الخارجي يتم ضمن سياق عضوي و نفساني بالغ التعقيد. فالإحساس المادي كي يصبح إحساساً نفسانياً يجب أن يتحوّل ضمن نظام عقلي هو ذاته عبارة عن مركب عضوي و نفساني. فالخلية الدماغية كائن مادي عضوي ولكن ما تحتويه من معطيات يشكل الكيان اللاّمادي المدرَك و المعبّر عنه بواسطه الشعور أو الفكرة.

فالفكرة تتكون لدى الإنسان عبر أحساس مادي أو مجرد يتم ضمن عملية ذهنية مؤلفة من تحويل و استذكار و تصوّر و ربط. فإذا تمّت هذه العملية بصورة سليمة، جائت الفكرة سليمة أيضاً. و لكي تتم العملية بصورة سليمة لا بدّ و أن تكون القوى التي عملت على تكوينها و بلورتها و إخراجها سليمة بدورها. فالوعي إذاً وضع ذهني سليم نتيجة لعمل قوى عقلية سليمة تخوّل الإنسان إدراك نفسه و إدراك العالم الخارجي بصورة متوافقة مع الحقيقه التي لاتتغير. فإذا اعترى أي خلل مصدر القوى العقلية أو قوة التحويل لديها اختلّ الوعي و أصبح مضطرباً مما يحول دون الإدراك الكلي أو الجزئي للذات و لما يحيط بها من عالم خارجي (العوجي، المصدر السابق: 49-48).

و على أساس ما تقدم، إذا انتفى الوعي أو قوة التمييز، ارتفعت المسؤوليه الجزائية؛ إذ لايعقل أن يسأل الشخص عن أفعال تصدر منه لايستطيع أن يقدّر أو يدرك نتائجها.

و أمّا الارادة - كشرط اساسي آخَر للأهلية الجنائية - كما قلنا سابقا، يُقصد بها قدرة الإنسان على توجيه نفسه إلى عمل معيّن أو الإمتناع عنه.

لهذا، لايكفي أن يكون الإنسان واعياً حتي يسأل عمّا يفعل، بل يجب أن يكون حرّ الإرادة في ما يفعل حتى تصح محاسبته عنه. فالإنسان يمكن أن يكون واعياً لما يفعل، ولكن لا يكون حتماً مريداً لما يفعل إذا كانت قد تعطلت ارادته عن العمل. هذا ما يحمل على تحديد مفهوم الارادة.

فالإرادة هي المقدرة على تقرير شيء أو القيام بفعل معيّن. و هي نتيجة عمل القوى العقلية لدى الإنسان المؤهلة له للإدراك و التصرف انطلاقاً من فكرة معينّة تكوّنت لديه نتيجة لسياق ذهنىٍ واعٍ و ملمّ بعناصر و مواصفات هذه الفكرة.

و الإرادة السليمة - أو بتعبيرٍ آخَر الإرادة المعتبرة أو الجازمة - تفترض بالتالي قوی عقلية سليمة كما تفترض مقدرة على الخيار بحيث يكون اتجاهها نتيجة لتفكير معيّن برز من خلال عملية ذهنية سليمة. و هذا ما يميّز العمل العضوي أو الغريزى. فالعمل الإرادي هو عمل ناتج عن تفكير و من ثمّ عن توجيه مدرك للقوى العضوية و متحكم بها. بينما العمل العضوي أو الغريزى هو عمل لا شعوري خارج عن إرادة الفاعل إلاّ بالقدر الذي تسمح به طبيعته فيصح التحكم به.

لأهمية البحث و لزوم التدقيق فيه، سنبيّن مراحل أربعة في عمل الارادة و نبحث حول العوامل التي تفسد الإرادة في بحث التالي بشكل مستقل.

4. تحليل الإرادة و آثار ايراد الخدشة عليها من منظر الفقه الجنائي

كما أشرنا سابقاً، علماء الفقه الجنائي- كما يقرّر علماء النفس - يميّزون مراحل أربعة في عمل الإرادة بشكل متعاقب: التصوّر أو الإدراك[23]، التدبّر أو الخَيار[24]، العزم أو القرار[25] و في النهاية التنفيذ[26]. فالتصوّر هو إستعراض لهدف معيّن و لوسائل بلوغه، يتم من خلال الإحساس أو الربط بين الأفكار المتوفرة لدى الشخص. فإذا تمّ هذا التصور فلا بدّ من إستعراض أو تقييم الدافع على تحقيق هذا الهدف و الترجيح بين تحقيقه أو عدم تحقيقه. هذا ما يشكل صلب عملية الخيار حتى إذا استقر على شيء معيّن تقرر إنفاذه أو عدمه، و يتحول القرار إلى عملية التنفيذ إما بفعل مادي معيّن أو بإمتناع (العوجي، المصدر السابق: 50). و هذا المرحلة الأخيرة هي عمل خارجي، أما المراحل الثلاث الأولى فهي مراحل داخلية نفسية. و وجه تمييز أيّة مرحلة من هذه المراحل الأربعة بإعتبار إنفصالها و أيضاً لتبيين أثرها بشكل حتى لا تختلط. و إلا فإن النظريات الحديثة في علم النفس لا تسلم بالتمييز فيما بين المراحل المختلفه هذا التمييز الدقيق. فإنه يصعب القول بأن العمل النفسي، و هو بطبيعته عمل معقد، يمرّ على مراحل متميزة بعضها عن بعض تميزاً فيه كلّ هذا الوضوح. و من الصعب الجزم بأن الإنسان لا يدخل في مرحلة التدبّر إلا بعد أن يتم مرحلة الإدراك. فإن الإدراك و التدبّر ينفعل أحدهما مع الآخر فيتفاعلان، كقطرة تسقط في مجرى، فتمتزج بالماء، فتؤثر فيه، و تتأثر منه. ثمّ إنّ مرحلة التدبّر لا يزن فيها الإنسان الأمر على هذا النحو المادي، فيستخلص أسباباً للإقدام على العمل و أخرى للأحجام عنه، فإن العمل النفسي أكثر تعقيداً و أقل وضوحاً. فإذا ما انتهينا إلى مرحلة الإرادة خير لمن يتتبع التحليل المتقدم أن هناك قوة نفسية مستقلة، غير قوة الإدراك و قوة التدبر، هي التي تتولى البت في الأمر و تكون حكماً لا تعقيب على حكمه، مع أن الإرادة ليست إلا ما ينتهي إليه الإدراك و التدبّر، فهي ليست مستقلة عنهما، و ما هي إلا إمتداد طبيعي لما أودع في الإنسان من تفكير و تمييز (السّنهوري، ب. ت.: 175-174).

رغم هذا النظر، إنّ التحليل المذكور يبيّن بوضوح عمل القوى العقلية الذي يُترجم إلى مفهوم مجرّد هو العمل الإرادي أو بصورة أكثر اختصاراً هو: الإرادة.

و يقتضي الملاحظة أن العوامل التي تفسد الإرادة و تؤثر عليها يمكن أن تقع في إحدى مراحل تكون العمل الإرادي. فإما أنها تقع على الإدراك فتعدمه أو تشوّشه و إما تقع على التدبّر فتفسده أو تعطّله و إما على العزم فتجرده من مقوّماته السليمة و إما على التنفيذ فتجردّه من دوافعه أو تزوده بدواقع وهمية أو غير سليمة (العوجي، المصدر السابق: 51-50).

ففي الحالات اللتي يُوكّد على صلتها بالفاعل و تسمّى بالموانع المسؤولية الجنائية - كالجنون، السّكر، التسمّم بالکحول و بالمخدّرات و القِصَر - نحن نرى أن الشخص يفقد الوعي أو الإرادة بالنظر إلى مؤلفاتها. فإذا انتفى أحد هذين الشرطين الأساسيين أو كلاهما - كما قلنا سابقا - إنتفت أركان المسؤولية و كما نعلم قد ذكر القانون عوارض المسؤوليه التي تلحق الشخص فتفقده الوعي أو الإرادة أو كليهما[27]. هذا و إن ثُبت أنّ الإرادة باعتبار أيّة مؤلفة مرتبطة من مراحلها الأربعة في العمل أفسِدت، لإنتفت المسؤولية الجنائية بشكل تام أو نسبي حسب حكم المشرع الجزائي و النصوص الجزائية[28].

و لابدّ من القول بأن عملية تكوّن الارادة تستغرق من الوقت بقدر ما يكون القرار هاماً في حياة الإنسان، بينما تتم بسرعة في ما هو عادي في حياته. و لذا كانت محاسبة الإنسان عن الأفعال الجرمية التي يقررّها برؤية و تمعن و استعداد نفساني أشد من محاسبته عن الأفعال التي تتم بصورة عفوية لأنه في الحالة الأولى يكون قد تصوّر الجرم و اختار طريقه و نفّذه و هو في وضع ذهني كان يمكّنه من حسن الخيار بدلاً من سوئه. من هنا كان تفريق قانون العقوبات للجرم المرتكب عن سابق تصور و تصميم عن الجرم القصدى بحيث خصّ الأول بعقوبة أشد لأن التصور و التصميم يفترضان مرور الفاعل بتأنٍ و تفكير بالمراحل المذكورة آنفاً مما يوكد توطّد الخطورة الإجرامية لديه فيستحق على ذلك العقاب الأشدّ.

و بديهيّ القول أن المسألة الجنائية التي يترتب عليها عقاب تتوجه إلى ارادة الفاعل لتثنيه عن الإنحراف السلوكي فإذا كانت هذه الإراده حرّة أمكنها من خلال عملية التصور و التفكير و الخيار الوقوف على مضمون الرسالة التي تحملها إليها العقوبه أو يحمله إليها التهديد بالعقوبة فتمتنع عن القيام بالفعل الجرمي أو ترتدع عنه مستقبلاً بينما إذا كانت هذه الإرادة معدومة أو غير حرّة فمن العبث القول بأن للعقوبة أثر عليها. من هنا في أغلبية الأنظمة العدالة الجزائية يُصرّح بأن لا عقاب على أحد ما لم يكن قد أقدم على فعله عن وعي و إرادة. فيما يطلبه القانون من الإرادة هو أن تكون يقظه و عاقلة بحيث تتم خياراتها بصورة متوافقة مع الأنظمة و القوانين التي ترعى الحياة الإجتماعية (نفس المصدر: 51-52).

و أهمية الإرادة و مؤلفاتها إلى حدّ أنّ المحكمة الأمريكية أخيراً أصدرت حكم البرائة للمرأة التي حين ارتكاب الجناية بإعتبار الحالة النسائية (العادة النسائيه) و اختلالات الهورمونية العارضة و المؤثرة، أفقدت وعيها و إرادتها الجازمة. و في الحكم صُرّح أنّ تشخيص هذه الحالة و تبيين حدود أثرها على الإرادة و مؤلفاتها أمرٌ يرتبط بخبرائه بحكم القانون (روزنفلد، 2004م.:263).

فالقانون يفترض سلامة القوى العقلية و الإرادية بمعناها السابق لدى الرجل العادي فيحمّله مسؤولية أفعاله ما لم يقم دليل ينفي هذه السلامة. بينما الطب يقرّر سلامة القوى المذكورة نتيجة للفحص العيادي و النفساني ألذي يُخضَع له المريض من قبل أخصائيين في الأمراض المؤثره. و بالتالي فإن الطب يوفّر المعطيات العملية اللازمة التي تحدّد الوضع الصحي و العقلي مما يمكّن المحاكم من تحديد الوضع القانوني لفاعل الجرم لجهة قيام أو عدم قيام مسؤوليته الجنائية.

و المعطيات الطبية التي يوفرها الفحص العيادي أو النفساني توفّر معرفة ما إذا كانت القوى العقلية و الإرادية سليمة و ما إذا كان الجهاز العصبي يعمل بصورة طبيعية أم أنه مختل بسبب العوارض المرضية المستحكمة فيه من جنون أو تأخر عقلي أو هذيان أو هلوسة أو إنفصام[29]. كمّا أنها تمكّن من معرفة العاهات الوراثية أو الطارئة التي أثّرت في القوى العقليه و الإرادية فأعدمتها أو أنقصتها أو عطّلتها.

و المحاكم لا يمكنها أن تقرر الوضع العقلي أو الإرادي - مع جميع مؤلفاتها الضروريه حسب تقديرها - إلاّ بالإستناد إلى الخبرة الطبية التي يوفيها الفحص‌ العيادي أو النفساني. و لا يحق لها أن تحدّد هذا الوضع مهما كان ظاهراً أو بيّناً إلاّ بالإستناد إلى نتائج الفحص الطبي. و لكن ليس عليها حتماً التقيّد بهذه النتائج؛ إذ يعود لها في النهاية إعطاء وضع المريض الوصف القانوني الصحيح.

فمسأله الأهلية الجنائية مسألة طبية أولاً و قانونية ثانياً و لا يمكن تقرير تمتع شخص بالأهليه الجنائية - التي تبتني على شرطين أساسيين و هما الوعي و الإرادة المعتبرة الجازمة - خلافاً لأقوال الأطباء إلاّ بالإستناد إلى إثبات واقعي أو علمي يدحض هذه الأقوال.

و في الأخير، يُذكر مصوّر يبيّن أركان المسؤولية الجنائية حسب ما بينّاه سابقاً و ضمن دراستناد و بحثنا حول الموضوع.

       
   
   

أ

 

 نتائج و مقترحات البحث

إنّ بحث الإرادة و دورها الأساسي في مجال المسؤولية الجنائية، أمر لايخفى أهميته لأحد. فالجرائم - سواء عمدية أو غير عمدية - تبتني على الإرادة الحرة مع جميع مؤلفاتها الضرورية.

تُعتبر الإرادة كإحدى أهم مفردات الفكر الفلسفي، ولکن لها مجالٌ خاص في الفقه الجنائي؛ فلذا علماء القانون يحكون عادةً عن مفهومها و مقدّماتها السببية و آثارها القانونية.

لا شك أنّ المشاكل النظرية و القانونية حول مسألة الإرادة تنشأ من ناحية عدم الإهتمام بالموضوع بشكل دقيق. هذا و أنّ المسؤولية الجنائية تقوم على ركنين أساسيين، أي الخطأ و الأهلية التي تبتنى على الوعي و الإرادة المعتبرة الجازمة التي تقدّم البحث عنها.

الإرادة مقدرةٌ على تقرير شيء أو القيام بفعل معيّن و يمكن أن نقول إنّ في عمل الإرادة مراحل أربعة متمايزة و متعاقبة على قدرٍ متيقّن من وجهة نظر الفقه الجنائي و هذه المراحل تسمّى بالتصوّر أو الإدراك، التدبّر أو الخيار، العزم أو القرار و في النهاية التنفيذ.

كما تبيّن سالفاً، إنّ العوامل التي تفسد الإرادة و تؤثر عليها يمكن أن تقع في إحدى مراحل تكوّن العمل الإرادي و في فرض وقوعها في أيّة مرحلة من المراحل المذكورة، لإنتفت المسؤولية الجنائية بشكل تام أو نسبيّ حسب حكم المشرّع الجزائي و النصوص الجزائية.

و أكّدنا أنّ المحاكم لا يمكنها أن تقررّ الوضع العقلي أو الإرادي – مع جميع مؤلفاتها الضرورية – إلا بالإستناد إلى رأی الخبرة الطبيّة التي يوفرها الفحص العيادي أو النفساني. و لا يحق لها أن تحدّد هذا الوضع مهما كان إلا بالإستناد إلى نتائج الفحص الطبّي. و على هذا الأساس يمكن أن نقول إن الأهلية مسألة طبيّة أولاً و قانونية ثانياً.

و على المشرّع أن يبيّن المبادئ و المباني الأساسية المتعلقّة بالإرادة التي أشرنا إليها. و أيضاً يجب عليه أن يهتمّ بالإختلالات المؤثرة على القوى الإرادية و العقلية بنفسها لا بوصفها. فلهذا نعتقد أنّ المشرّع إذا لم يحدّد في النصّ تعريفاً وصفياً خاصاً للأمراض الأرادية - و حتى العقلية - فهذا أقرب للغرض حول العدالة الجزائية و المسؤولية الجنائية.

بناءً على هذا، فإنّ تحديد التعريف للأمراض الإرادية و حتى العقلية من ناحية القانون في النظام التشريعي الإيراني قد أدی إلی ظهور أمور في إطار إنطباق حالة خاصة مع النصوص الجزائية المحدّدة. على سبيل المثال، تصريح المشرّع الإيراني بزوال المسؤولية الجنائية بشكل تام أو نسبي في المادة 224 من قانون العقوبات الإسلامية - بإعتبار حالة السكر- يسبّب هذا الإشكال إلی أنه هل يمكن لنا أن نعتقد بزوال المسؤوليه الجنائية - حسب مراتبها - في حالة التخدير الناشئة عن إستعمال المخدرّات و مشتقاتها رغم سكوت القانون أم لا؟ لأنّنا لن نجد نصّاً صريحاً حول هذا الموضوع أو سائر المسائل المشابهة. إلاّ أنّنا نـعتقد بتنقيح المنـاط في هـذا المجال­- من ناحية علم الأصول - بأنّه إذا كانت الفلسفة الأصليه لزوال المسؤولية الجنائية بحسبها في حالة السكر، إيراد الخدشة على الإرادة أو على مؤلفاتها، فنحن نرى أنّ هذه الخدشة على الارادة أو الفعل الإرادي تحدث بشكل أقوى و بطريق أولى في حالة التسمّم بالمواد التخديرية أو مشتقاتها. ولکن علی أيّ حال، لن نجد نصّاً قد صرّح به القانون في هذا المجال و في زماننا هذا.

و من هذا المنطلق نرجوا أن يقوم المشرّع الملتفت إلی أهمية هذا الموضوع و تصديقه للإرادة و مؤلفاتها من وجهة النظر القانوني، بتسهيل الجانب العملي و القضائي  في إستقرار العدالة الجزائية إن شاء الله تعالى.

 


انجمن حقوقدانان ایران



تبريك



وکیل نمونه

آقای



فرم ارتباط با ما

عضویت در خبرنامه

برای اطلاع از اخبار سایت لطفا اطلاعات خود را وارد نمایید.

آمار بازدید کنندگان